أبي هلال العسكري

138

الوجوه والنظائر

بل أصلها في العربية : الإضراب عن الأول ، وإثبات الثاني ، تقول : لقيت زيدا بل عمرا . فتركت الأول ، وأخذت تذكر شيئا آخر ، غلطت في الأول ، أو بدا لك فيه ، فتداركت كلامك ب‍ " بل " فجعلت الأمر للثاني ، - وأخرجت الأول بما دخل فيه الثاني . ثم جاء في القرآن لغير الغلط والاستدراك والبداء ، ولكن لترك قصة إلى أخرى ، كأنه قال : دع هذا مع تمام فائدته إلى فائدة أخرى ، ومثل هذا يكون منا أيضا ، يقول أحدنا : جاءني الحاجب بل الأمير ، أي : دع مجيء الحاجب مع أفدتك به ، فالأمير هذا أمره . وينقسم في القرآن على وجهين : أحدهما : قوله تعالى : ( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ) كأنه قال : دع ما تقدم ذكره من أمرهم ، وخذ في أنهم قالوا : إن القرآن أضغاث أحلام ، وأضغاث الأحلام : مختلطاتها التي لا تأويل لها ، ثم حكى عنهم فقال تعالى : ( بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ) ، والمراد أنه اختلط عليهم أمرهم ، فكذبوا أنفسهم ، وخرجوا من شيء إلى شيء ، وهذا على سبيل الإضراب عن الأول وإثبات الثاني . ومثل الوجه الأول قوله : ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) ، ف - : ( ادَّارَكَ ) لفظ ماض ومعناه الاستقبال ، أي : بل يتكامل علمهم في الآخرة إذا حصلوا فيها ، ويوقنون أن ما وعدوا منها في الدنيا حق .